محمد بن الطيب الباقلاني

28

إعجاز القرآن

إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليكلمه ، وكان حسن الحديث ، عجيب البيان ( 1 ) بليغ الكلام ، . وأرادوا أن يأتيهم بما عنده فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة ( حم ) السجدة ، من أولها حتى انتهى إلى قوله : ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) ، فوثب مخافة العذاب ، فاستحكوه ما سمع فذكر أنه لم يفهم ( 2 ) منه كلمة واحدة ، ولا اهتدى لجوابه . ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرد . فقال له عثمان بن مظعون : لتعلموا أنه من عند الله ، إذ لم يهتد لجوابه ( 3 ) . وأبين من ذلك قول الله عز وجل : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ، حتى يسمع كلام الله ، ثم أبلغه مأمنه ) ( 4 ) فجعل سماعه حجة عليه بنفسه ، فدل على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه . فإن قيل : لو كان [ كذلك ] على ما قلتم ، لوجب أن يكون حال / الفصحاء الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، على طريقة واحدة في إسلامهم عند سماعه . قيل له : لا يجب ذلك ، لان صوارفهم كانت كثيرة ، منها أنهم كانوا يشكون : ففيهم ( 5 ) من يشك في إثبات الصانع ، وفيهم من يشك في التوحيد ، وفيهم من يشك في النبوة . ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب ، لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم عام الفتح ، قال له النبي عليه السلام : أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : بلى . فشهد ، قال : أما آن لك أن تشهد أنى رسول الله ؟ قال : أما هذه ففي النفس منها شئ ؟ ! فكانت وجوه شكوكهم مختلفة ، وطرق شبههم متباينة ، فمنهم من قلت شبههه ، وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر ، فأسلم . ومنهم من كثرت شبهه ، أو أعرض ( 6 ) عن تأمل الحجة حق تأملها ، أو لم يكن في البلاغة على حدود النهاية ، فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر ، وراعى واعتبر ، واحتاج إلى أن يتأمل ( 7 ) عجز غيره عن الاتيان بمثله ، فلذلك وقف أمره .

--> ( 1 ) س : " عجيب الشأن " ( 2 ) س : " لم يسمع " ( 3 ) راجع تفسير القرطبي 1 / 338 . ( 4 ) سورة التوبة : 6 ( 5 ) س : " يشكون منهم " ( 6 ) م ، س : " وأعرض " ( 7 ) م : " إلى تأمل "